محمد متولي الشعراوي
3943
تفسير الشعراوى
وهنا حدد « ما شاء » ، أي أن ما شاء يكون في غير الشرك به فإن الشرك لا يكون محل غفران منه سبحانه . أو يجوز « إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » أن بعضا يفهم أنه بمجرد البعث والحشر ستكون النار مثواهم ، ولكن المثوى في النار لن يكون إلا بعد الحساب ، وهذا استثناء من الزمن الخلودى ، فلن يحدث دخول للجنة أو للنار إلا بعد الحساب . فزمن الحساب والحشر مستثنى وخارج عن زمن الخلود في الجنة أو النار . ونحن نجد أيضا « إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ » في سورة هود حيث يقول الحق : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 107 ) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 108 ) [ سورة هود ] إذن فهناك الاستثناء في النار والاستثناء في الجنة ، فقول الحق : « خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ « إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ » فمجىء الاستثناء بعد الوصف بالخلود ، يدل على إن الخلود ينقطع مع أنه قد ثبت خلود أهل الجنة في الجنة وخلود أهل النار في النار للأبد من غير استثناء فكيف ذلك ؟ والرد على هذا أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار ، وحده بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار بما هو أغلظ منها كلها وهو سخط اللّه عليهم ولعنهم وطردهم وإهانته إياهم . وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعا ، وهو رضوان اللّه كما قال : ( وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ) فلهم ما يتفضل اللّه به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو ، فهذا هو المراد بالاستثناء ، والدليل عليه قوله : ( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) ومعنى قوله في مقابلته : ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) أن ربك يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب ، كما يعطى أهل الجنة الذي لا انقطاع له .